c
غير مصنف

عمرو فاروق يكتب: المسكوت عنه داخل كهف الأخوات

الكاتب الصحفي عمرو فاروق

روت قصتها في ندم وحيرة، على سنوات عمرها وشبابها الذي وضعته بين أيدي أخوات ظنت فهن الخير والاستقامة، لكنها استيقظت من حلمها على واقع مرير، يكشف زيف وجوهٍ، ارتدت ثوب التقوى، والقيم، لتلحق بقطار التمرد على مقاليد السمع والطاعة العمياء، وتسير في ركب زوجها الذي فطن إلى حقيقة جماعة أرتوت بأفكار سيد قطب، وزينب الغزالي .

إنها الإخوانية السابقة عزة عفيفي، زوجة القيادي الإخواني السابق سامح عيد، التي ظلت داخل “قسم الأخوات”، بمحافظة البحيرة، لأكثر من عشر سنوات عرفت فيها الكثير من الحقائق عن هذا التنظيم المغلق.

عزة عفيفي

كشفت عزة عن تجربتها، داخل “قسم الأخوات”، منذ التحاقها، وحتى خروجها، من كهف الأخوات، وهي نادمة عن كل لحظة جلست فيها معهن.

وسوف نترك لها المجال للحديث عن قصتها: ”  كان لدى خلفية عن طبيعة الإخوان، من أنهم شباب غير ملتحٍ، يرتدي الجينز كمعظم الشباب، كنا نراه تديناً عصرياً، بعيدا عن التشدد والتنطع الذي يمثله السلفيون، وفي عامي الجامعي الأول، في 1989، تأثرت بالقيادات الشبابية الإخوانية داخل الكلية، حيث كانوا يجوبون المدرجات يتحدثون عن الإسلام، وعن العداء العالمي للإسلام، وعن فلسطين وعن أفغانستان، وعن أمريكا ودعمها لإسرائيل، وضرورة الدفاع عن الإسلام، ورفع رايته، والتمثل بأخلاقه، والكلام عن الحجاب وأهميته، وكان من ضمن نشاطهم فكرة الأسابيع، فأسبوع فلسطين، تملأ الجامعة فيه بلوحات وصور ورسومات، تعبر عن القضية الفلسطينية والمقاومة ودورها وقتل الإسرائيليون للأطفال، وأسبوع الحجاب، كانت تكتب الأحاديث وأقوال الأئمة والفقهاء عن الحجاب وأهميته، وكانت تباع شرائط الكاسيت للمشايخ مثل وجدى غنيم، وغيرهم من المشايخ، التي تتحدث عن الإسلام، كانوا يقيمون الحفلات المسرحية في الجامعة، بما فيها من فكاهة وشجن، مما أظهرهم أكثر تحضراً، وبصراحة لم يكن ينافسهم وقتها أي تيار خاصة في مجمع كليات دمنهور في هذا الوقت”.

الدعوة الفردية

“.. وبدأت معي إحدى الأخوات ما يسمونه الدعوة الفردية، وبمعنى آخر التجنيد داخل التنظيم، بالتقرب والتودد والزيارات المنزلية، والحديث عن الإسلام والتدين، وضرورة دعوة الناس للتدين، وأن هذا عمل ديني مكلفين به من الرسول عليه السلام، وآيات القرآن الكريم، وهو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأن المتراخي عن فكرة تغيير المنكر والأمر بالمعروف، آثم في حق دينه، وفي حق خالقه، وبدأت بعد عملية الإعداد والتقرب الأولى، الدعوة لجلسة مسجدية، في مسجد الحناوي، حيث تعرفت على مجموعة كبيرة من الأخوات، وبدأوا يتقربون إليًّ، ونتقابل يومياً في الجامعة، والحديث الدائم عن الدعوة والإسلام، والمؤامرة العالمية على الإسلام، وأننا مكلفين بالوقوف أمام هذه الهجمة الشرسة على الإسلام، وبدأنا نتعرف على أخوات أكبر مننا سناً، ونحضر عدة جلسات خاصة جدا، يحاضرنا فيها مشايخ الإخوان الكبار مثل المهندس حسام حميده رحمة الله عليه، وكنا نزور القيادات التاريخية للجماعة أمثال الحاج عبدالفتاح الشريف، من قيادات الإخوان المسلمين في الستينات، وكان من المتهمين في محاولة اغتيال عبدالناصر في عام 65 ، ولم يخرج من السجن إلا عام 74، وكان الأخوات يتحدثون عنهم مثل المجاهدين الأوائل مع الرسول عليه السلام، ويتحدثون عن سجنهم وتعذيبهم في سبيل تلك الدعوة، حتى وصلت إلينا بفعل جهادهم وصبرهم وجلدهم، فكنا ننظر إليهم على أنهم القدوة، التي نتمنى أن يمنحنا الله مثلهم الجهاد في سبيل الله “.

[ads1]

تجنيد الفتيات

“.. وقرأنا كتاب أيام من حياتي لزينب الغزالي، وكيف كان تأثرنا بالغاً بهذا الكتاب وقتها، وخاصة وأنها سيدة، بمعنى أن الجهاد لم يكن قاصراً على الرجال، ولكن كان النساء أيضاً مجاهدات، وبدأنا بعد ذلك نتناول كتب مصطفى مشهور عن الدعوة الفردية، وكتب عن الرقائق والروحانيات، وفي الوقت الذي كان الشباب من الإخوان يمارسون نشاط يسمى (الكتيبة) من المغرب للفجر، كانت لنا كتائب من العصر حتى العشاء، وكانت تحاضرنا الأخت (أم عمر) وقتها في الروحانيات والرقائق، وفي هذا الوقت كان بعض الأخوات مقربين إلى قلبي وأشعر معهم بالصدق والحماس وكانت مشاعرنا جياشة وكلها حماس وحب، وكنا نجتمع في زاوية عمر بن الخطاب قبل المحاضرات في الصباح الباكر ، لأخذ التكليفات وإعطاء تقارير عن الدعوة الفردية (التجنيد لعناصر جديدة والمسؤوليات داخل الجامعة)، واستفدنا أيضاً من تجارب الإخوة المسرحية في الجامعة، وكنا نصنع تجارب خاصة بالأخوات، في أحد النقابات المهنية، للتأكيد على الأفكار المطلوبة لنصرة الإسلام الذي يضيع ويجب علينا حمايته “.

ربات البيوت

“.. ولكن بعد أن انتقلنا إلى المنطقة، وهو الانتقال من العمل الجامعي، إلى الأحياء والمناطق، وبدأت أجلس مع المتزوجات وربات البيوت، وبعض الجامعيات أمثالي، بدأت أستاء من بعض ممارساتهم، وبدأت أشعر أحيانا بالاستعلاء، وأحياناً بمشاعر نسائية من غيرة، وحسد، وغيبة ونميمة، وبدأت بعض المشاحنات النسائية تحدث بينهم وبين بعضهم، مما أفقدني الحماس، ولكنا كنا نؤنب بشدة لعدم انتظامنا، وخاصة أننا كنا تخطينا المرحلة الأولى ودخلنا المرحلة الثانية داخل الدعوة، وهي مرحلة السمع والطاعة والالتزام بالأوامر، وبدأت أشعر بدرجة من درجات الاستغلال، فبعيداً عن الاشتراك المالي الذي كنا نلتزم بدفعه وهو 7% ، كنا نسوق بشكل شبه إجباري، لمشاريع بعض الأخوات من الأعمال اليدوية، من منطلق تشجيع تلك الأخت أو تلك، رغم أنها أشياء ربما تكون ترفيهية، أو ليست ضرورية، ولكن لعلاقات شخصية بين الأخت المسؤولة وتلك الأخت يتم الإجبار على شراء تلك المنتجات، وكانت تباع الكتب شبه جبرياً أيضاً، مثل كتب مصطفى مشهور أو غيره من كتب الإخوان، أو للترويج وتحقيق ربح لمكتبة الأخ فلان، أو الأخ علان، وكانت تباع داخل الجلسات الإخوانية، وبشكل فيه من الحرج والإجبار”.

خضار الإخوان

“.. بل وتعدى الموضوع ذلك ، للإجبار على شراء الخضار من تاجر معين لأنه إخواني، رغم أنه كان فرد في أسرة تجارية كبيرة، وكان أبوه فظاً وغليظاَ في تعامله، وفي نفس الوقت، من الممكن أن تكون بضاعته رديئة أو غالية، فالبضاعة رديئة والأسعار غالية، والمعاملة سيئة، كانت تلك الممارسات، تثير تساؤلاتي واعتراضاتي، ولكني كنت أكتمها في نفسي، أو أصرح بها لبعض المقربين مني من الأخوات، وكنا نمررها من منطلق أن الدعوة أكبر من ذلك، ويجب التسامح في بعض الهنَّات، وكنا أحياناً نعبر عن بعض الاعتراضات، وكان يقابل هذا الاعتراض ببعض الاستياء من الأخت المسؤولة، لأنهم كانوا يعتبرون الاعتراض على القيادة أو حتى انتقادها شيئاً سيئاً، لأن الأصل أن تثق في القيادة، كما تقول رسالة التعاليم لحسن البنا، وأن تعتبر في نفسك الخطأ وفي القيادة الصواب”.

الثقة في القيادة

“.. ومن الطرافات، أنه تم دعوتي لحضور تدريب عملي على تغسيل الميت، وتم تحديد يوم وموعد لهذا التدريب، وعندما لم أذهب في الموعد، وفى جلست الأسرة سألتهم مداعبة هل أحضرتم الجثة، فضحكت الأخت المسؤولة، وقالت هل توقعت أن تكون هناك جثة حقيقية، فقلت لها مداعبة أيضا، إنتي ما تغلبيش يا أخت فلانة، فضحكت واعتبرتها دليلاً على الثقة، وقد كان الموضوع تمثيلي، بأن أحد الأخوات ستؤدي دور الجثة، وأصبحت الأخت تحكي هذا الموقف كدليل على الثقة في كل محفل، رغم أنها كانت مداعبة مني ليس أكثر، فالمشكلة أيضا أن تلك القيادة كانت من ذوي التعليم المتوسط، و كان هذا كثيرا ما يثير بعض الحساسيات، لأن القيادات أيضا لم تكن مثقفة بدرجة كافية، وخاصة وأني كنت قارئة نهمة قبل انضمامي للإخوان سواء في قراءة الرواية بتنوعاتها لـ إحسان عبدالقدوس، وعبدالحميد جودة السحار، ويوسف السباعي، وكذلك الروايات الفرنسية لمدام لافييت بطبيعة تخصصي في اللغة الفرنسية “.

تكفير طه حسين

“.. ولا أنسى عندما رأتني إحدى الأخوات ومعي رواية حديث الأربعاء لطه حسين، فقرعتني تقريعاً شديداً، لأن كلامه كله كفر، فكيف تقرأين له، فامتنعت تماماً عن قراءته بعد ذلك، واتذكر أنه في انتخابات الكلية، وأنا في السنة الثانية احتدم الأمر، وجاءت قوات من الشرطة لاقتحام الكلية، ووجدت الشباب من الإخوان وقتها وقد أخرجوا عدد كبير من النبابيت وبها المسامير مثبتة، وتم توزيعها على الإخوة استعداداً لمواجهة قوات الأمن إن فكرت في اقتحام الكلية، وكنت وقتها أعتبره عملاً بطولياً، وتجمعنا وقتها حتى يأخذ الأخوة أماكنهم ورفضنا رجاء الأساتذة لنا بالانصراف حتى لا نتعرض للبهدلة عند اقتحام الأمن للكلية، وأصررنا على البقاء للدفاع عن الإخوة إن احتاج الأمر ذلك، اقتداءً بالمجاهدة زينب الغزالي، وكنت وقتها على اقتناع كبير بأهمية القضية التي ندافع عنها وعدالتها ” .

تجربة اليمن

“.. عقب زواجي مباشرة سافرت مع زوجي إلى اليمن لمدة سنتين، وكان هناك ثلاث أسر مصرية، وأسرتين سودانيين، وأسرة عراقية، من الإخوان، ونظرا لصغر سني، كنت ملطشة لهم، فقد كان زوجي يذهب كل شهر في الكتيبة لمدة ثلاث أو أربع أيام وفي هذه الفترة تتجمع الأسر المصرية في أحد البيوت، وكنت أعتبر هذا جهادا، ولم أسأل زوجي أين تذهب، و ماذا يفعل، وذلك لسرية عمل التنظيم، فقد كانوا يقولوا لنا: إذا جاءت المعلومة إليك فأدر لها ظهرك، حتى إذا تعرضت لاعتقال لا يجدوا لديك معلومة، وأنا لا أنكر أنني كنت مطيعة جدا واستمع للقيادة بشكل أعمى حتى لا أكون آثمة”.

ليسوا ملائكة

“كانت أولى صدماتي.. جوازي، فقد أفهمونا خطأ، أننا سنتزوج واحد من الصحابة، فرسان بالنهار قوامون بالليل، نهارهم صيام، وليلهم قيام، وإن كان زوجي صارحني بتلك الأمور، وقال لي أنه يشاهد التليفزيون أحياناً، ولكن الواقع صدمني، فقد كان يسهر في بيتي هو وأصدقائه من قيادات الطلبة، حتى الفجر يتسامرون ويضحكون وأنا أجهز لهم العشاء والشاي، وإن كانوا يحافظون على صلاة الجماعة، ولكن كان يحكي لي زوجي، عن بعض المشاكل المالية لبعض الإخوة، وبعض المشاكل الاجتماعية، وأحيانا بعض التجاوزات الأخلاقية، وكنت أتعجب لتلك الجلسات المليئة بالنميمة، وقال لي زوجي مرة، لست على بن أبي طالب، ولستي فاطمة، وكان زوجي طيباً، وكان يحكي عن بعض المشاكل التي نقلت لي الصورة الحقيقية، هم مجتمع مثل المجتمع العادي، طيبهم طيب وخبيثهم خبيث”.

صدمة الحقيقة

” ..فالصورة المثالية التي رسمتها داخل عقلي، وحاول تثبيتها لي الأخوات، فاجأني زوجي بأنها غير حقيقية، وكنت أظن أنه يبالغ، أو ربما تحفظه على الممارسات يدفعه إلى عدم توخي الموضوعية، وأن الشخصي يطغى على الموضوعي، ولكني كنت أسأل وأتأكد من واقعية المشاكل الذي كان زوجي يتعمد أن يذكرها لي، ليخرجني من مثاليتي ويجذبني إلى واقعيته، أو ربما محاولاً تبرير موقفه الذي صدمني في البداية أن هذه الشخصيات الإخوانية التي شكلت وجداني وجعلتني أتنازل عن أشياء كثيرة من أجلها وجدتهم يسهرون للفجر ولا يفكرون حتى أن يصلوا ركعتين قيام ليل ويتسامرون ويضحكون، وهم كثيرا ما صدعوا دماغنا أن كثرة الضحك تميت القلب، ولابد من الجد، وعدم الهزار حتى لا تؤثر على وقار الأخت أو الأخ”.

تمرد زوجي

” .. بدأ زوجي الشروع في انتقاد الإخوان بشكل حاد، منذ بداية زواجنا تقريباً، وكان يتحدث وقتها عن ضرورة الإصلاح الداخلي، ولم أقتنع بكلامه في معظمه، ربما كنت أتحفظ على بعض الممارسات، واعتبرها أخطاء فردية، ولكن الجماعة كيان كبيرة ولها جهادها وقياداتها وأفكارها، واستقال بشكل رسمي عام 2000 بعد وصوله لقناعة أن فكرة الإصلاح من الداخل هي فكرة بائسة، وخصوصا أن المشكلة في أفكار حسن البنا نفسه، وهذا هو القيادة الروحية المؤسسة لأفكار الإخوان، ولم أكن أتفق معه في ذلك، فكان لحسن البنا مكانة كبيرة في وجداني، من سماعي عن شخصيته وجهاده واستشهاده وكان الأخوات يحكون قصصاً كثيرة تعبر عن كرامات هذا الرجل، وذكاءه، وأنه مجدد القرن العشرين بلا منازع من منطلق أن لكل قرن مجدد كما تروي الأحاديث وهو مرسل من الله، يبعث الله على رأس كل مائة عام من يجدد لها أمر دينها “.

تهمة الخيانة

“.. وبعد خروج زوجي من الجماعة، ترك لي حرية التصرف، ولم يمنعني من الاستمرار، وقال لي أنه سوف يصدر كتاب كنقد ذاتي للجماعة، ومن الممكن أن تكوني بعد ذلك شخصية غير مرغوب فيها داخل التنظيم، ومن الممكن أن يتهموكي بالعمالة لأجهزة أمنية، لا أنكر أنني كنت أحبهم جدا حتى أكثر من أخوة الدم، بس الحرب النفسية التي مارسوها ضدي بعد استقالة زوجي من الجماعة جعلتني أعمل عقلي، وخاصة أنهم أفهموني أن الأسرة التربوية التي كنت أنتمي لها تم الغاؤها، وبالفعل صدقتهم وعندما أخبرت زوجي سخر مني، وقال لي هذا مستحيل، ولكني لم أصدقه، وبدأت اتتبع أخوات جلستي في الأسرة، وجدتهم يتقابلون، وفي هذه الأثناء اصبت باكتئاب فظيع، وخاصة أنه كانت توجد أخت فاضلة مسؤولة عن الأخوات في إحدى المناطق الكبرى، وكان زوجها الإخواني يمارس اللواط، وكان الجميع يعرف هذا الأمر، وكنا نشفق عليها من هذا الوضع، ولم نأخذها بذنب زوجها، لكن معي كان الأمر مختلف فاعتبروا زوجي خرج من الملة، وخيروني بين العودة للجماعة، أو الاستمرار مع زوجي، واتذكر أنني ظللت سنة كاملة اتعالج من الاكتئاب والانهيار العصبي بسبب الحرب النفسية التي مورست ضدي، وكان السبب الرئيسي في علاجي وتجاوزي الأزمة والصدمة زوجي لأنه علمني كيف أعمل عقلي ولا أكون تابعة، وأننا بشر ولسنا ملائكة”.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى